أرشيف نوفمبر, 2008

موعد مع المجهول …

2008/11/08

كان يوم جمعة وكعادة تلك الأيام وما تحمله من ضجر له خطط قبل يوم كامل كيف سيقضي جمعته قبل أن تقضي عليه .. فكر في أن يشاهد فيلماً ولكن سرعان ما تحولت فكرته إلى جحيم بعد ما أن نظر ليعرف ما الفيلم اليوم فتفاجئ إذ أنها المرة الأولى التي لايعرض بها أفلاماً يوم الجمعة بالرغم من أنه توقع فيلماً مملاً و أنه سيجلس وحيداً على كرسي مهترء وعلى يمينه ويساره أشخاص لايعرفهم حتماً لكنهم جاؤوا على شكل جماعات و أزواج .. بعد نكسته الأولى قرر أن يطوف الشوارع والأزقة المظلمة هذه الليلة فإنها متعة كبيرة بالنسبة له … فكر لثانية واحدة … هل من المعقول أن أذهب لوحدي ؟ ثم تبددت غيمة الظن هذه فما الفرق بين مشاهدة فيلم أو مشوار في مشارع مظلم والبرد يلفك وحدك

كان جالساً يتابع أحد نشرات الأخبار المملة ومافائدة سماع أخبار العالم إذا لم يسأل عن أخباره أحد و إن حصل وارتكب أحدهم الجريمة فإنما تكون بغير قصد ومجرد روتين لبداية طلب … لم يصر الجميع على سؤال الآخرين عن أحوالهم طالما انهم متوقعين إجابات معدة مسبقاً وماكان هذا السؤال إلا مقدمة لأمر ما يختبئ خلفه .

أطفئ تلفازه قاطعاً بذلك صوت المذيعة  وهنا تذكر نفسه .. صوته المقطوع في أحسن الأحوال … تلك البحة التي تخرج من صدره إلى الفضاء لتعبر عن صاحبها ولكنها ماتلبث أن تتلاشى في أحضان أول بوق سيارة فارهة تدوسها مسرعة .

حشر نفسه داخل كنزة ضيقة تذكره بحياته وفكر من حوله … حمل رزمة ذكرياته فوضعها في جيبه ثم ارتدى كومة قماش تستر جسد ذاك الكائن العجيب … لم يسرح شعره منذ زمن بعيد فلم يعد أحد يلحظ هذا .. ولكم تشتهى أسنان المشط أن تداعب شعره وتخترقها مصدرة طقطقة غريبة وبعض الشرر .. أيضاً لم يرش العطور أو يبخ قليلاً من علبة البارفان كما يفعلون في الأفلام تحضراً لموعد … قد يكون هذا موعد لكنه مع المجهول … لديه حساسية من الروائح الغريبة التي تنبه خياشيمه بدءاً من دخان السجائر الذي يضايقه كثيراً مروراً برائحة البشر الممزوجة بالكذب والخداع فإنها تسبب له العطاس وصولاً لروائح العطور على إختلاف أشكال القوارير والزجاجات الموضوعة فيها و على اختلاف أسمائها وماركاتها فلا تشكل فرق كبيراً لديه .

تفترش رف خزانة ملابسه بعض تلك الزجاجات ولكنه نادراً ما يستعملها إلا إذا كان راغباً برحلة مع العطاس طوال اليوم فهي مفيدة جداً لأنها تجمع كل مابداخله من مشاعر و أحاسيس متناقضة وتجعلها على كومة من هواء لينفخه في أقل من ثانية إلى الفضاء فيرتعش جسده بالكامل .

ألقى نظرة عابرة في المرآة التي تظهر نصفه فقط فلم يلمح شيئاًَ في البداية و كأن خيال يقف أمامها ثم فرك عينيه قليلاً فتوضحت الصورة و ظهر هيكل نحيل على شاكلة جسد بشري مصفح بالقماش وبرزت في وسط وجهه حفرتان صغيرتان كحبة الفول تبرقان و تنمان عن كثير من الكلام يكتنف قلب صاحبهما لكنه لا يستطيع أن يبوح به بعد .. أقنع نفسه بأن المرآة لا تذكذب و ماظهر عليها إنما صورة حقيقية له ..

رمى معطفه على كتفه واحتوى جسده داخله ثم وضع سلسلة مفاتيحه في جيبه وخرج لمواعدة المجهول …

مجنون في مملكة العقلاء

2008/11/04

تعرفون تلك الحكاية التي كتب عنها الأديب توفيق الحكيم مسرحيته ( نهر الجنون ) والتي تقول بأنه كان هناك مملكة تعيش حياة هادئة بفضل إدارة ملكها الحكيمة وأن هناك بئراً في وسط المملكة يروي جميع البيوت ويشرب منها الناس وذات يوم لغرور الساحرة ورغبتها بتعكير صفو الحياة ذهبت ليلاً و وضعت السم في ماء البئر ثم في اليوم التالي شرب جميع الناس من مائه و أصابهم الجنون إلا الملك لم يشرب من ماء البئر وهنا نزل الناس إلى الساحات والشوارع يدعون بأن الملك قد جن وفقد عقله وبات يتصرف بطريقة غير لائقة ومعتادة بين الناس حتى زوجة الملك أصابها الجنون واصبحت تضجر من تصرفات الملك غير اللائقة وتقول بأنه قد جن

في نهاية الأمر لم يمكن إصلاح الأمر فشرب الملك من ماء البئر وأصبح مجنوناً عندها اطمئن الناس و قالوا بأن الملك عاد إلى رشده وأصبح طبيعياً عاقلاً يجدر به حكم البلاد

كذلك تعلمون قصة الضفدع … يقال بأنه كان هناك مجموعة ضفادع تتمشى و إذ بحفرة عميقة جداً يقع فيها أحد الضفادع ويطلب المساعدة من أصدقائه إلا إنهم يرفضون ذلك خوفاً من أن لا يقعوا معه في الحفرة أو ينجو بنفسه ويتركهم يغرقون في الوحل ، تركوه ومضوا في طريقهم لا ينظرون له ولا يفكرون مجرد التفكير بمساعدته وكانت حجتهم أن الحفرة عميقة جداً وأنه من المستحيل أن يعود وعلى هذا الحال استمرت حياتهم وبعد شهور طويلة وفي أحد الأيام الهادئة كان الضفادع يصطادون في النهر وفجأة وجدوا ضفدعاً غريباً يتقدم نحوهم ونظروا إليه فإذا هو صديقهم الضفدع المفروض أنه قد مات من الجوع لأنه وقع في حفرة لم يعد ممكناً مساعدته واستغربوا كثيراً فأخبرهم بما حدث معه وذلك بأنه لم يستسلم ويرضخ للأمر الواقع و بدأ يحاول بالقفز ولم يفلح لمحاولات كثيرة بأن ينجو ومع تكرار المحاولات وبعض الاستراحة والتخطيط نجى و أخيراً من تلك الحفرة ثم ذهب ليعيش في مكان آخر …

من هذه القصص نستخلص عبر كثيرة ومهمة يمكن تطبيقها على زمننا هذا فالملك الذي أعتبره جميع الناس في مملكته وحتى زوجته أعتبرته مجنوناً لأنه يتصرف بما يخالف الطبيعة او الجميع ولكن في حقيقة الأمر انه عاقل وعندما شرب من ماء البئر وأصبح يتصرف مثلهم قالوا عنه بأنه قد عاد عقله له وأصبح جديراً بالحكم وفي الحقيقة أنه الآن أصبح مجنوناً … عندما نتصرف بشكل غير المرغوب به من حولنا أو بطريقة تناقض فطرتهم وأسلوبهم يعتبروننا مجانين ويجب قتلنا حتى لا ننشر الوباء بين الجميع ويصبحوا مثلنا  في حين إذا تصرفنا تماماً مثلهم أطلقوا علينا صفة العقل الراجح بينما الحقيقة ليست كذلك انما فقط نتصرف كما يعجبهم

وذاك الضفدع الذي استسلم رفاقه وتركوه ينازع الموت وحده في الحفرة وأعتبروها عميقة جداً وفضلوا مصالحهم الخاصة بالنجاة على مساعدة صديقهم المسكين مع أن قوة الجماعة تغلب الفرد ولو تعاونوا مع بعض لأستطاعوا إنقاذ الضفدع وعاد للحياة معهم منذ البداية ، لكنهم تركوه وذهبوا فما كان منه إلا المحاولة والمحاولة حتى نجح و أخيراً

كم من أمثال أولئك المستسلمين تراهم حولننا ويخضعون لصعوبات الواقع فيتخلون عن الأفكار الخلاقة والإيجابية التي قد تتحول إلى واقع تعود بالنفع عليهم فيهولون المصاعب عليهم و لا يكتفون بذلك فقط إنما يمتد تأثيرهم إلى غيرهم ويشعرونه بالفشل الذريع من جراء عدم الأصابة من المحاولة الأولى … فلو كان الضفدع قابلاً للتفشيل لكان الموت قد سيطر على عقله و جعل ينتظره حتى يحين عليه بعد يومين أو ثلاثة على أبعد تقدير .. لكنه طرد تلك الأفكار من رأسه و حصر تفكيره في النجاة ولا شيء سوى النجاة وفعلاً نجى

لا تعتقد أبداً أن تقوم بعمل ولا تجد من معوقات تعترض طريقك و إلا فإن عملك لن يكون ذا معنى وقيمة و انظر إلى سير العظماء على مر التاريخ كم من صعوبة اعترضت طريقهم حتى وصلو إلى أهدافهم  وفي النهاية حققوها وسهلوا حياتنا بشكل أو بآخر والآن دورنا لنذلل تلك المصاعب لنبني حياة الأجيال القادمة وهكذا تعمر الحياة ..

إلى متى الإنتظار ؟

2008/11/03

اخترت ورقة بيضاء وحملت قلماً أسود وبدأت رسم ما قد يخطر ببالي عندما أفكر فيكِ على تلك الصفحة .

إلى التي لم يصلني القدر بها بعد
إلى التي لم أبدأ البحث عنها

كتبت …

في آخر كل ليل وقبل أن يهزم النوم جفوني … تمرين كطيف مسرع يرسم ألونه وينثرها في مخيلتي .. أحاول التقاطها كطفل صغير يغريه رونق الورود .. أرسمك كما أريد و أرش الألوان كما يحلو لي .. أريدك مميزة .. بكل شيء مميزة … ليست عادية كالبقية .. لأنه من الإجحاف بحقي أن تكوني عادية ..

قد تقولي لنفسك .. وما يميزك أنت ؟ .. سأدعك تكتشفين ذلك لوحدك .. لأنه من الغباء أن يصف الإنسان نفسه كما يراها بعينه لا كما يراها الآخرون

أعلم أني أضحي بالكثير.. و قطار الحياة يسير .. ربما فاتني بعض تجاربها ولكني متأكد بأن ما أقوم به هو الصواب … قد لا تستحقي كل تلك التضحية … لكن إنما أفعل هذا لأجلي أنا .. لذا أريدك مميزة ..

ماذا ؟! … صداقة ؟! .. زمالة ؟! .. بالطبع لا

لم أحظ بعلاقة من هذا الشكل قط .. رغبتي و إرادتي حالت دون ذلك .. ربما حل اليأس عليَّ في بعض الأحيان لكن سرعان ما عاد شعاع الأمل ليخترق قلبي وينشر ضيائه معلناً أن أجمل حب تعيشه هو ذلك الذي تعثر عليه بينما تبحث عن شيء آخر … لذا لم أعد أبحث عن هذا المدعو بالحب واتجهت لأشغل نفسي بأشياء أخرى .

قد أكون ساذجاً في نظر البعض .. وقد يكون من الحمق التصرف هكذا .. بأني لم أجرب ما جربوه .. ولكن ما نفع علاقة عابرة من طرف واحد يلهي بها الإنسان نفسه ويخدر قلبه ريثما يحين الموعد ؟ .. لذا لم أفتح الباب في وجه أية محاولة قامت بها إحداهن ..
ربما أصاب بالغرور أحياناً لكن في الحقيقة مرت على هذا القلب المسكين محاولات سرقة باءت كلها بالفشل .. ولأني لن أحب سوى مرة واحدة و أريدها مميزة … سأنتظر

سيدتي .. أعلم أنك لن تكوني مثلي وقد خضتي تجارب عديدة أو واحد على الأقل تحت أي مسمى كان ولأي هدف كان سواء للتسلية أو منفعة شخصية أو إشباع الفضول … لذا أحكمت قفل ذاك القلب حتى لا يهرب من سجنه إلى حريات مبهمة لا تليق بما يحويه ..

أرى وجهك مع كل إشراقة صباح وعلى صفحة فنجان قهوة .. أعرف صوتك من بين جميع العصافير .. و أميز طيفك من على قوس قزح … ربما أكون خاسراً … لأني سأقدم أكثر مما قد أتوقع أن أحصل عليه … انظري من حولك … هل وجدتي أحداً فعل مثل هذا من قبل ؟ …

ويبقى السؤال الأول والأخير الذي يخطر في بالي مع كل  خفقة قلب … إلى متى الإنتظار ؟