أغلبكم قد سمع بإسم الفيلم إن لم تحفزه الرغبة لمتابعته … فيلم المنشار يصنف ضمن أفلام الرعب و يقع في خمسة أجزاء .. صدر آخرها منذ شهر تقريباً

الفلم يحمل حبكة قوية حيث لايمكنك وضع قصة معينة وتربطها به فالجزء الأول كان موقع التصوير غالبا في مكان واحد وفي الأجزاء التالية توسعت أماكن التصوير وازدادت تعقيداً بالشخصيات أيضاً.. يعتمد الخط الدرامي في الفيلم على عرض المشاهد حسب تسلسل معين ولكن يبدأ من وسط الأحداث ثم يبدأ بالرجوع إلى البداية وكيف تشكلت تلك الأحداث وذلك بطريقة ذكية محكمة جداً تعتمد على التشويق و عنصر المفاجأة …

قصة الفيلم :

إجمالاً يمكن اعتبار قصة الفيلم عبارة عن اختبارات يقوم بها صاحب الشخصية الرئيسية والتي سموها في وسائل الإعلام بـ Jig Saw تعني منشار التخريم على أشخاص لا يعتقد بأنهم يقدرون حياتهم جيداً ويعطونها الأهمية الكافية .. جون كريمر هو اسم الشخصية الرئيسية مصاب بمرض السرطان وقد بدأ العد التنازلي لموته وهذه الفكرة نجدها في أغلب اختباراته على التفنن بتعذيب الأشخاص والتي غالبا ما يرفقها بشريط فيديو وكذلك شريط صوتي و إشارات لدخولهم الاختبار الصحيح

” there are many ungreatfull for the gift of life ”

” هناك العديد من الجاحدين بنعمة الحياة ”

إنه لا يقصد قتل هؤلاء الأشخاص إنما تعذيبهم لجعلهم يدركون مدى أهمية الحياة التي يعيشونها لكن إن لم يتمكنوا من تجاوز الإختبار سيموتون لأنهم لا يستحقون هذه الحياة – حسب رأيه – وفي الجزء الثاني يقوم على اختبار فتاة تدعى أماندا ولكنها تنجح في الإختبار وتنقذ نفسها ثم يقوم بتبنيها وتصبح مساعده و تقوم بإختباراتها الشخصية على الناس كما تقوم بتصميم ألعابها و طرق التعذيب الخاصة بها ، لكن لاحقاً يكشف لنا جون كريمر أن أماندا كانت تهدف القتل أكثر مما تكون تركز على هدفه وهو تقدير الحياة التي يعيشها الناس

إذن الفكرة الرئيسة التي تدور حولها احداث الفيلم هي أن يقدر الناس حياتهم التي يعيشونها ويعطوها حقها وإلا عليهم أن يموتوا لأنهم لا يستحقوها

ما بين القرف … والرعب

حسب ما هو معروف أن أفلام الرعب تنقسم إلى الرعب النفسي الذي يعتمد على وضع المشاهد في مواقف نفسية صعبة والرعب الذي يعتمد على المشهد المرعب و تكاد أغلب الأفلام التي تعتمد على هذا النمط من الرعب تضيف عدد كبير من اللقطات المقرفة فيه . فيلم المنشار اعتمد خطوط جديدة من الرعب … نعم القرف موجود ولكن ليس التركيز عليه … التركيز الأكبر على الموقف المرعب بحد ذاته وسرعة التصرف للتخلص من الإختبار والنجاح فيه كذلك طريقة تصميم الاختبارات بإسلوب مبتكر تجعلك تعيد النظر في عدة أمور حيث يركز جون كريمر على تعذيب الضحايا جسدياً ونفسياً

الحبكة

أكثر ما شدني لهذا الفلم هي الحبكة المذهلة التي تنطوي عليه حيث لا يمكنك ولا بأي شكل من الأشكال توقع أي فعل لأي شخصية والمفاجأة الكبيرة التي تحويها المشاهد والتشويق الذي يضعك فيه بطريقة مبتكرة جداً تجعلك مشدوداً تماماً إليه والانتقال الذكي بين خطوط العمل على سبيل المثال في نهاية الجزء الثالث يعيدك إلى الجزء الاول ويشرح لك كيف جهز الأحداث كذلك عندما يحرض الشخصيات على التخلص من بعضها لتنقذ نفسها وهنا تجد نفسك حائراً إما أن تنشد إلى هذا او ذاك وتتعاطف معه … الطرق الفنية الرائعة التي يحبك فيها ألعابه أو اختباراته وتسلسلها تجعلك مذهولاً خاصة عندما تجد أدق و أصغر التفاصيل مهماً جداً … حتى عندما يموت جون كريمر فإن أثره يبقى ولا يعني ذلك توقف قصص الفيلم بل على العكس فهذا يفتح آفاق جديدة تجعلك تتشوق للمزيد من الإثارة

الفيلم من الناحية الفنية

من أول لقطة تعرض لشعار شركة الانتاج تشعر أنك ستشاهد فيلماً مميزاً حيث تم تعديل الشعار بطريقة تتناسب مع فيلم رعب … إذ تتحرك أسلاك شائكة من جانبي اسم شركة الانتاج لتحيط بها جيداُ ثم ينزل مسمار في الوسط يشد تلك الاسلاك بشكل محكم على الاسم و ثم تنقطع الاسلاك تاركة أثرها على الاسم .

حتى قائمة الـ Menu تحمل طابع مميز حيث تجد فيها شيء من روح الشخصية و الفيلم كذلك البوسترات فيها تنوع كبير واسلوب عرض جديد لإسم الفيلم

الموسيقى التصويرية ملائمة بشكل كبير للمشاهد التي تعرض الآن أمامك وتتسارع وتيرة الموسيقى حسب درجة التشويق تكاد لا تجد مقطع موسيقي بلا معنى

التصوير واللقطات المستخدمة بالإضافة للمؤثرات مذهلة و بالأخص المونتاج في آخر الفيلم حيث يعيد وبشكل سريع أبرز اللقطات المهمة والتي غالبا لم تنتبه لها حيث ساهمت في تشكيل أحداث الفيلم

التكاليف والإيرادات

لعلها النقطة الأهم التي تشير إلى مدى نجاح الفيلم وجذبه للمشاهدين حول العالم :

SAW I كلفته $1,200,000 حصد $103,096,345 حول العالم

SAW II  كلفته $4,000,000 حصد $147,739,965 حول العالم

SAW III  كلفته $10,000,000 حصد $164,874,275 حول العالم

SAW IV كلفته  $10,000,000 حصد $139,352,633 حول العالم

SAW V كلفته $10,800,000 حصد $80,207,398 حول العالم حتى الآن منذ إنطلاقه يوم 24 تشرين الأول اكتوبر من هذا العام

لتفاصيل أكبر حول الفيلم يمكنك الإطلاع على :

Saw

Saw official website

Official fan club

أخيراً … إن كنت تنوي مشاهدة الفيلم فلا أنصحك أن تشاهد جزء واحد فقط وذلك للارتباط بين الأجزاء ويفضل ان تتابعها بالترتيب … وطبعاً لا ينصح به لأصحاب القلوب الضعيفة ^_^

في يوم هادئ جميل قمز الابهام و بسخرية قال لبقية الأصابع بأن الأمر واضح ولاحاجة للبحث فأنا أكاد اكون منفصلا عنكم جميعا … وكأنكم تمثلون كفة وأنا بكفة أخرى … و انتم عبيد لايمكنكم أن تقتربوا إلي … أنا سيدكم وأعظم الأصابع وأضخمها على الإطلاق

هنا أبدت السبابة انزعاجها من عنطزة الإبهام وصرخ قائلاً لو كانت الرئاسة بضخامة الحجم لكان الفيل سيداًَ على البشر والحوت ملكهم و أعظم المخلوقات … أنا السبابة … أنا الناهي الآمر وعندما يريد الرئيس أن يشير إلى شيء أو يعلن أمراً ما يستخدمني دون غيري ، فأنا أولى بالرئاسة منكم …

ضحك الأصبع الأوسط وهو يقول كيف تتجادلان على الرئاسة وأنا بينكم .. أنا الأطول وكلكم تقفون بجواري كالأقزام وليس هناك داعي لأطلب منكم الخضوع لزعامتي … أنا الزعيم بلا شك

تحمس البنصر لهذا وطحش مدافعاً عن نفسه …هيي يا أخوة .. أين مكاني بحق الجحيم ؟ .. إنظروا إلى بريق الخاتم وهو يلمع فيّ … مرصع بالألماس والذهب … أنا ملك الأصابع وسيدهم بلا منازع .

وهنا فاق الخنصر من غفوته وصمت الكل في ذهول … ماذا يقول الأصبع الصغير القصير في حضرة البقية ؟ … اسمعوني يا أخوتي إني لست ضخماً كالإبهام .. بل أرفعكم ! … ولست أعطي أمراً أو نهياً مثل السبابة … ولست طويلاً كالأصبع الوسطى ..  بل أقصركم ! .. ولم أنل شرف خاتم الزواج المذهب مثل البنصر … أنا أصغركم جميعاً … متى اجتمعتم على خدمة نافعة تستندون عليّ … فأحملكم جميعا

عندما أدرك ذلك الجميع بأن من يساعد الغير ويقف معهم هو أكثر من يكسب الريادة ويستحق الاحترام .

أي الأصابع تجد نفسك ؟

بعدما انتهيت من قراءة كتاب صناعة العقل ادرج لكم تلخيصاً لفصوله والافكار التي حملها

يبحث الكاتب في الفصل الاول حول الاضطرابات التي تؤدي لخلق فجوة واسعة بين أنظمة التعليم والحاجات الحيوية للأفراد والمؤسسات في المجتمع من خلال صراعها على الكفاءات وضمان الحصول على أفضل الكفاءات للعمل فيها ويسرد لنا عدة قصص وامثلة من الواقع التي تعبر عن تفجير الطاقات الكامنة داخل الافراد ويشير إلى ان التعليم اصبح هذفا بحد ذاته لا حباً به انما لتأمين متطلبات سوق العمل من المؤهلات العلمية وكذلك الحصول على العمل الذي يضمن له الاستمرار في الحياة .

يتساءل الكاتب في الفصل الثاني عن سبب الاهتمام الشديد لأنظمة التعليم بوجوه معينة فقط من القدرات العلمية دون غيرها ويقدم الاثار السلبية التي خلفتها تلك الأنظمة والفوارق التي خلقتها بين الناس ولم يعد الشخص قادراً على تحديد ميوله ورغباته ويركز على أنه من الخطأ الاعتقاد بأن الفكر أو الذكاء البشري مقتصر على النواحي النظرية أي الاكاديمية والتي هي تمثل وجه واحد من وجوه الفكر العديدة التي يملكها العقل وحتى يحصل الانسان على تعليم جيد علينا تخليصه من سيطرة الفكر الاكاديمي والعمل على إبراز طاقاته المختلفة التي تكمل بعضها البعض و إعطائها نفس الدرجة من الأهمية .

وفي الفصل الثالث يدرج لنا الكثير من الأمثلة التي تبرهن بأن الدراسة الأكاديمية ليست المظهر الوحيد للذكاء عند الانسان ولايجب اتخاذها كمعيار لتقييم مستوى ذكاء الشخص فلكل إنسان جانب ذكاء معين يبرز ذكاؤه من خلاله وطاقات ابداعية يختلف بها عن الاخرين حيث أغلب الطلاب الذين لا تتفق ميولهم مع المناهج المفروضة يشعرون بالاحباط ويعتقدون بأنهم ليسوا على درجة كافية من الذكاء لجهلهم بقدراتهم الكامنة في مجالات اخرى لم يعملوا على إخراجها واستمثارها .

ويبحث في الفصل الرابع في معنى الإبداع وطبيعة الظروف التي تعمل على إزدهار او خموده ويسلط الضوء على نقطة هامة مفادها ان التعليم الأكاديمي ابتعد عن العاطفة والمشاعر ويجب إعادة الصلة بين العاطفة والفكر لأنه أمر حيوي لتطوير الإمكانيات البشرية والارتقاء بالفكر الإبداعي ، ويوضح بأنه للعقل الدور الأساسي في العملية الإبداعية  و الإبداع هو الاستمرار في البحث عن إمكانيات واحتمالات جديدة ومن الضروري جداً الإدراك بأن كل إنسان يملك إمكانيات خلاقة ومبدعة كل حسب ميوله

أما الفصل الخامس جاء ليقول بأن التطور الإبداعي لايحدث بمعزل عما يجري من حوله إنما يؤثر ويتأثر بالمحيط الثقافي و أنه يجب إعادة النظر في الآراء المتطرفة والعمل على تقريبها لتحقيق الهدف المنشود وهو خير الإنسان حيث ان خلى العالم من الأحاسيس فيصبح عالم لا إنساني

والفصل السادس يبحث في العلاقة بين الإبداع الفردي والمحيط الثقافي وفي كيفية ايجاد ثقافة إبداعية في المؤسسات المعنية بالأمر

و يختم الكتاب بالفصل السابع حيث يقدم مبادئ أساسية لتطوير ودعم القدرات الإبداعية في المؤسسات المختلفة ويعيد ويجمع الأفكار حتى يخلص إلى إيجاد الحلول للمشاكل التي تعترضنا ويلخصها بخلق التوازن في أنظمة التعليم الرسمية وغير الرسمية وتحديد الأولويات على اسس ومفاهيم أكثر واقعية .

رأيت في الكتاب الكثير من الأفكار المذهلة لكنها تبقى أفكار إن لم يتم ترجمتها على أرض الواقع والاستفادة منها في حل المشاكل ، يركز الكتاب على ضرورة ابقاء الصلة بين العلم والفن وكذلك بين العقل والعاطفة وإن أنظمة التعليم الحالية تعمل على فصل العلم عن الفن و التركيز الشديد على العلم بإعتباره المنتج وأن الفن لاجدوى تذكر منه كذلك يقوم أنظمة التعليم بتنشيط استخدام العقل واعتبار العاطفة أمر ثانوي وهذا خطأ كبير حيث كلاهما يكمل بعضهما ، كما يؤكد الكتاب من خلال فصوله على فكرة أن الإبداع ليس موهبة مقتصرة على فئة معينة من الناس إنما الإبداع موجود داخل كل إنسان لكن يبقى علينا البحث عن المجال الذي ينشط به وتوفير البيئة المناسبة لإظهاره وتفجير تلك الطاقات والإستفادة منها بشكل يجعل للحياة معنى أفضل

خرج و في رأسه دوامة من الأفكار تدور وتضطرب ولاتعرف الاستقرار … خرج ليبحث عن المجهول .. نعم انه الجنون بعينه فلا أحد يبحث عن شيء لايعرفه ولكن صاحبنا قَبل بأنه يُتهم بالجنون … واضعاً يديه في جيبه وعيناه تمسح الوجوه بحثاً عن علامة أمل تحيل المجهول معلوماً ولكن جهوده ذهبت هباءاً … يشيح بنظره ويتأمل الناس من حوله .. تجاعيد وتقاسيم عميقة تخفي خلفها تجارب كثيرة توحي لصاحبها بالخبرة في الحياة … نعومة وملاسة تظهر براءة الروح التي تكمن داخل ذاك الجسد .

يدخل طريقاً طويلاً وعلى جانبيه رصيف مفروش بالمصابيح المضيئة والناس من مختلف الأفكار والثقافات ولا أحد منهم يعرف الآخر ، قد يكون بينهم أحداً مثله يبحث عن شيء مهم كرس له وقته وحصر تفكيره فيه هذه اللحظة كما قد يكون هناك من لايجعل للأمر أهمية تذكر ، وعلى الجانب الآخر من الطريق كتل من البشر تسير على هيئة أزواج من أجناس مختلفة …

يأخذ نفساً عميقاً ويخرجه فيذهب معه شيئاً ما كان بداخله .. ربما شعور غريب يراوده من زمن .. يتنهد وتتغير شكل عاصفة الأفكار التي كانت تضرب عقله .

يكمل مشواره والأصوات تمتزج من حوله بلغات ومفردات عديدة لكنها لا تكاد أن تغطي صوت صمته الحبيس داخل صدره ، ذاك الصمت الأسير منذ الخليقة .. ينتظر طويلاً  لحظة الإفراج .. يقنع نفسه بأن تلك اللحظة قادمة عاجلاً كان أم آجلاً ولكن رغبة خفية بداخله تبعد تلك القناعة .

تهب نسمة خفيفة تلفح وجهه تحمل في ثناياها عطراً غريباً مكون من مزيج عطور كل من صدمته في طريقها وأخذت جزءاً .. يجلس إلى كرسي خشبي ويشطح بخياله بعيداً فيحول الأشجار العالية البائسة من حوله إلى أعمدة ضخمة تحمل كياناً عظيماً ، ويرسم من الظلام المنثور على صفحة السماء الكالحة فوقه لوناً نقياً يضيئ به هذا الكيان ، ويجعل من موعده هذا كياناً عظيماً محمولاً كنعش فوق أكتاف تلك الأشجار .

تمر من أمامه طفلة  تقطع ببراءتها تسلسل خيالاته و بتصرف لا إرادي يلقي إليها ابتسامة صغيرة لكن صادقة .. لا تعيره أي اهتمام وتسرح للأمام مدحرجة كرة … يأتيها صوت مزدوج من الخلف يشير عليها بأن تنتبه جيداً .. ينظر إليهما بفضول … يغمض عينيه ليستمتع بذاك المنظر أطول فترة ممكنة .

يطلق سراح الكرسي وينهض ليواصل رحلته … يلقي نظرة على الوجوه الشاحبة فلا يجد فيها ما يستحق الاهتمام ويسأل نفسه هل يبادلني أولئك نفس الإحساس ؟ … ترى هل يرون على وجهي ما يخفيه روحي … ام انهم لا يميزونني أبداً كطيف عابر .

يدخل ساحة تعج بالناس والضحكات تنطلق من كل مكان بجنون .. صوت الموسيقى يملئ القلوب .. لعلها حفلة والمدعون قد حضروا أرواحاً تعانق بعضها بحنان لتدخل وتستمتع بوقتها .. ينظر إلى روحه الأسيرة ويواسيها بأنها لم تجد روحاً اخرى لتشارك الجميع فرحتها .. يغادر المكان وغصة الألم تحرقه .. قد تعود هذا الإحساس فليست المرة الأولى التي يقع فيها بهذا الموقف .. لكن سرعان ما يكلم نفسه ويهدئها بأنه في يوم ما سيكون في موقف أحد هؤلاء الناس وروحاً معه تضم روحه … إلى أن يحين ذاك اليوم ستستمر غصات الألم تقوم بجولاتها عليه لتزيد من عذابه  .

رأفة منه بتلك الروح ورغبة بتجنيبها مزيد من العذاب اليوم .. اكتفى بما تعرض له ويدير وجهه إلى الوراء ليعود للمكان الذي خرج منه ويمضي ليلة و رحلة جديدة مع أفكار العذاب .

وتبقى تتكرر تلك الأحداث بين الحين والآخر فلا تنفع معه معاهدة سلام أو هدنة ما تلبث أن تطفو إلى السطح من جديد بوادر العذاب ..و إلى أن يحين الموعد .. يبقى على انتظار

قبل أن يخرج كان :

موعد مع المجهول …

منذ بضعة أيام بدأت فعاليات معرض الكتاب في جامعة حلب وعلى عادتي في كل عام أزوره وأطلع على العناوين والموضوعات المعروضة وأحيانا يعجبني كتاب ما لكن لايتوفر لدي الوقت الكافي لقرائته … اليوم قررت أن ازوره لأطلع على الجديد وكان هناك عدة دور نشر قدمت الكتب في موضوعات شتى تخدم كل الفروع

برأي الشخصي يعتبر دار شعاع للنشر الأكثر انتشارا والكتب التي تطبعها من المتميزة بحق فبعد أن دخلت مجال الكمبيوتر والانترنت في بداية عملها أصبحت الآن تطبع وتنشر كتب في مجالات كثيرة أخرى .. من جناح دار شعاع للنشر استوقفني عنوان كتاب ( صناعة العقل ) للمؤلف كين روبنسون … تصفحت جدول المحتويات فكان مقنعا من حيث الموضوعات المطروقة لها .. اشتريت الكتاب على الفور وسأبدأ بقرائته منذ اليوم

جاء على غلاف كتاب صناعة العقل

غالباً من ينظر إلى العقلية الإبداعية على أنها تمثل عمل فردي محض ، وأنها ميزة يتمتع بها أناس خلقوا مبدعين . يتناول الكتاب هذا الموضوع بطريقة مختلفة ، محاورها مايلي :

* يمتلك كل شخص قدرات إبداعية ولكنه قد يجهل في أي مجال هي
* هذه الإمكانات الإبداعية هي أثمن ما نملكه ، لذلك فإن تطويرها واستغلالها تصبح قضية حيوية
*ماهية الثقافة التي نتشربها وشكل التعليم الذي نتلقاه يبقيان العملين الأكثر تأثيراً في صناعة عقلنا المبدع

صناعة العقل
تأليف : كين روبنسون
ترجمة الدكتورة : رامة موصللي

صفحة الكتاب من موقع دار شعاع

لمحة عن الكاتب ken robinson

موقعه الرسمي

كان يوم جمعة وكعادة تلك الأيام وما تحمله من ضجر له خطط قبل يوم كامل كيف سيقضي جمعته قبل أن تقضي عليه .. فكر في أن يشاهد فيلماً ولكن سرعان ما تحولت فكرته إلى جحيم بعد ما أن نظر ليعرف ما الفيلم اليوم فتفاجئ إذ أنها المرة الأولى التي لايعرض بها أفلاماً يوم الجمعة بالرغم من أنه توقع فيلماً مملاً و أنه سيجلس وحيداً على كرسي مهترء وعلى يمينه ويساره أشخاص لايعرفهم حتماً لكنهم جاؤوا على شكل جماعات و أزواج .. بعد نكسته الأولى قرر أن يطوف الشوارع والأزقة المظلمة هذه الليلة فإنها متعة كبيرة بالنسبة له … فكر لثانية واحدة … هل من المعقول أن أذهب لوحدي ؟ ثم تبددت غيمة الظن هذه فما الفرق بين مشاهدة فيلم أو مشوار في مشارع مظلم والبرد يلفك وحدك

كان جالساً يتابع أحد نشرات الأخبار المملة ومافائدة سماع أخبار العالم إذا لم يسأل عن أخباره أحد و إن حصل وارتكب أحدهم الجريمة فإنما تكون بغير قصد ومجرد روتين لبداية طلب … لم يصر الجميع على سؤال الآخرين عن أحوالهم طالما انهم متوقعين إجابات معدة مسبقاً وماكان هذا السؤال إلا مقدمة لأمر ما يختبئ خلفه .

أطفئ تلفازه قاطعاً بذلك صوت المذيعة  وهنا تذكر نفسه .. صوته المقطوع في أحسن الأحوال … تلك البحة التي تخرج من صدره إلى الفضاء لتعبر عن صاحبها ولكنها ماتلبث أن تتلاشى في أحضان أول بوق سيارة فارهة تدوسها مسرعة .

حشر نفسه داخل كنزة ضيقة تذكره بحياته وفكر من حوله … حمل رزمة ذكرياته فوضعها في جيبه ثم ارتدى كومة قماش تستر جسد ذاك الكائن العجيب … لم يسرح شعره منذ زمن بعيد فلم يعد أحد يلحظ هذا .. ولكم تشتهى أسنان المشط أن تداعب شعره وتخترقها مصدرة طقطقة غريبة وبعض الشرر .. أيضاً لم يرش العطور أو يبخ قليلاً من علبة البارفان كما يفعلون في الأفلام تحضراً لموعد … قد يكون هذا موعد لكنه مع المجهول … لديه حساسية من الروائح الغريبة التي تنبه خياشيمه بدءاً من دخان السجائر الذي يضايقه كثيراً مروراً برائحة البشر الممزوجة بالكذب والخداع فإنها تسبب له العطاس وصولاً لروائح العطور على إختلاف أشكال القوارير والزجاجات الموضوعة فيها و على اختلاف أسمائها وماركاتها فلا تشكل فرق كبيراً لديه .

تفترش رف خزانة ملابسه بعض تلك الزجاجات ولكنه نادراً ما يستعملها إلا إذا كان راغباً برحلة مع العطاس طوال اليوم فهي مفيدة جداً لأنها تجمع كل مابداخله من مشاعر و أحاسيس متناقضة وتجعلها على كومة من هواء لينفخه في أقل من ثانية إلى الفضاء فيرتعش جسده بالكامل .

ألقى نظرة عابرة في المرآة التي تظهر نصفه فقط فلم يلمح شيئاًَ في البداية و كأن خيال يقف أمامها ثم فرك عينيه قليلاً فتوضحت الصورة و ظهر هيكل نحيل على شاكلة جسد بشري مصفح بالقماش وبرزت في وسط وجهه حفرتان صغيرتان كحبة الفول تبرقان و تنمان عن كثير من الكلام يكتنف قلب صاحبهما لكنه لا يستطيع أن يبوح به بعد .. أقنع نفسه بأن المرآة لا تذكذب و ماظهر عليها إنما صورة حقيقية له ..

رمى معطفه على كتفه واحتوى جسده داخله ثم وضع سلسلة مفاتيحه في جيبه وخرج لمواعدة المجهول …

تعرفون تلك الحكاية التي كتب عنها الأديب توفيق الحكيم مسرحيته ( نهر الجنون ) والتي تقول بأنه كان هناك مملكة تعيش حياة هادئة بفضل إدارة ملكها الحكيمة وأن هناك بئراً في وسط المملكة يروي جميع البيوت ويشرب منها الناس وذات يوم لغرور الساحرة ورغبتها بتعكير صفو الحياة ذهبت ليلاً و وضعت السم في ماء البئر ثم في اليوم التالي شرب جميع الناس من مائه و أصابهم الجنون إلا الملك لم يشرب من ماء البئر وهنا نزل الناس إلى الساحات والشوارع يدعون بأن الملك قد جن وفقد عقله وبات يتصرف بطريقة غير لائقة ومعتادة بين الناس حتى زوجة الملك أصابها الجنون واصبحت تضجر من تصرفات الملك غير اللائقة وتقول بأنه قد جن

في نهاية الأمر لم يمكن إصلاح الأمر فشرب الملك من ماء البئر وأصبح مجنوناً عندها اطمئن الناس و قالوا بأن الملك عاد إلى رشده وأصبح طبيعياً عاقلاً يجدر به حكم البلاد

كذلك تعلمون قصة الضفدع … يقال بأنه كان هناك مجموعة ضفادع تتمشى و إذ بحفرة عميقة جداً يقع فيها أحد الضفادع ويطلب المساعدة من أصدقائه إلا إنهم يرفضون ذلك خوفاً من أن لا يقعوا معه في الحفرة أو ينجو بنفسه ويتركهم يغرقون في الوحل ، تركوه ومضوا في طريقهم لا ينظرون له ولا يفكرون مجرد التفكير بمساعدته وكانت حجتهم أن الحفرة عميقة جداً وأنه من المستحيل أن يعود وعلى هذا الحال استمرت حياتهم وبعد شهور طويلة وفي أحد الأيام الهادئة كان الضفادع يصطادون في النهر وفجأة وجدوا ضفدعاً غريباً يتقدم نحوهم ونظروا إليه فإذا هو صديقهم الضفدع المفروض أنه قد مات من الجوع لأنه وقع في حفرة لم يعد ممكناً مساعدته واستغربوا كثيراً فأخبرهم بما حدث معه وذلك بأنه لم يستسلم ويرضخ للأمر الواقع و بدأ يحاول بالقفز ولم يفلح لمحاولات كثيرة بأن ينجو ومع تكرار المحاولات وبعض الاستراحة والتخطيط نجى و أخيراً من تلك الحفرة ثم ذهب ليعيش في مكان آخر …

من هذه القصص نستخلص عبر كثيرة ومهمة يمكن تطبيقها على زمننا هذا فالملك الذي أعتبره جميع الناس في مملكته وحتى زوجته أعتبرته مجنوناً لأنه يتصرف بما يخالف الطبيعة او الجميع ولكن في حقيقة الأمر انه عاقل وعندما شرب من ماء البئر وأصبح يتصرف مثلهم قالوا عنه بأنه قد عاد عقله له وأصبح جديراً بالحكم وفي الحقيقة أنه الآن أصبح مجنوناً … عندما نتصرف بشكل غير المرغوب به من حولنا أو بطريقة تناقض فطرتهم وأسلوبهم يعتبروننا مجانين ويجب قتلنا حتى لا ننشر الوباء بين الجميع ويصبحوا مثلنا  في حين إذا تصرفنا تماماً مثلهم أطلقوا علينا صفة العقل الراجح بينما الحقيقة ليست كذلك انما فقط نتصرف كما يعجبهم

وذاك الضفدع الذي استسلم رفاقه وتركوه ينازع الموت وحده في الحفرة وأعتبروها عميقة جداً وفضلوا مصالحهم الخاصة بالنجاة على مساعدة صديقهم المسكين مع أن قوة الجماعة تغلب الفرد ولو تعاونوا مع بعض لأستطاعوا إنقاذ الضفدع وعاد للحياة معهم منذ البداية ، لكنهم تركوه وذهبوا فما كان منه إلا المحاولة والمحاولة حتى نجح و أخيراً

كم من أمثال أولئك المستسلمين تراهم حولننا ويخضعون لصعوبات الواقع فيتخلون عن الأفكار الخلاقة والإيجابية التي قد تتحول إلى واقع تعود بالنفع عليهم فيهولون المصاعب عليهم و لا يكتفون بذلك فقط إنما يمتد تأثيرهم إلى غيرهم ويشعرونه بالفشل الذريع من جراء عدم الأصابة من المحاولة الأولى … فلو كان الضفدع قابلاً للتفشيل لكان الموت قد سيطر على عقله و جعل ينتظره حتى يحين عليه بعد يومين أو ثلاثة على أبعد تقدير .. لكنه طرد تلك الأفكار من رأسه و حصر تفكيره في النجاة ولا شيء سوى النجاة وفعلاً نجى

لا تعتقد أبداً أن تقوم بعمل ولا تجد من معوقات تعترض طريقك و إلا فإن عملك لن يكون ذا معنى وقيمة و انظر إلى سير العظماء على مر التاريخ كم من صعوبة اعترضت طريقهم حتى وصلو إلى أهدافهم  وفي النهاية حققوها وسهلوا حياتنا بشكل أو بآخر والآن دورنا لنذلل تلك المصاعب لنبني حياة الأجيال القادمة وهكذا تعمر الحياة ..

%d مدونون معجبون بهذه: